ابن عطية الأندلسي

257

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

القراءة عن الحسن وشيبة ونافع وأبي جعفر بخلاف عن الثلاثة المدنيين وقال أبو علي إما أن يكون تقدير هذه القراءة حيث يشاء من المحاريب والمتعبدات وأحوال الطاعات فهي قرب يريدها الله ويشاؤها وإما أن يكون معناها حيث يشاء يوسف لكن أضاف الله عز وجل المشيئة التي ليوسف إليه من حيث هو عبد من عبيده وكانت مشيئته بقدرة الله تعالى وقوته كما قال * ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) * . قال القاضي أبو محمد وهذا كله من أبي على نزغة اعتزالية وتحفظ من أن أفعال العباد من فاعلين فتأمله . واللام في قوله * ( مكنا ليوسف ) * يجوز أن تكون على حد التي في قوله * ( ردف لكم ) * و * ( للرؤيا تعبرون ) * وقوله * ( يتبوأ ) * في موضع نصب على الحال و * ( حيث يشاء ) * نصب على الظرف أو على المفعول به كما قال الشماخ حيث تكوني النواحز . وباقي الآية بين . ولما تقدم في هذه الآية الإحسان من العبد والجري على طريق الحق لا يضيع عند الله ولا بد من حسن عاقبته في الدنيا عقب ذلك بأن حال الآخرة أحمد وأحرى أن تجعل غرضا ومقصدا وهذا هو الذي ينتزع من الآية بحسب المقيدين بالإيمان والتقوى من الناس وفيها مع ذلك إشارة إلى أن حاله من الآخرة خير من حاله العظيمة في الدنيا . قوله عز وجل سورة يوسف 58 - 60 قال السدي وغيره سبب مجيئهم أن الجماعة التي أنذر بها يوسف أصابت البلاد التي كان بها يعقوب وروي أنه كان في الغربات من أرض فلسطين بغور الشام . وقيل كان بالأولاج من ناحية الشعب وكان صاحب بادية له إبل وشاء فأصابهم الجوع وكان أهل مصر قد استعدوا وادخروا من السنين الخصيبة فكان الناس يمتارون من عند يوسف وهو في رتبة العزيز المتقدم وكان لا يعطي الوارد أكثر من حمل بعير يسوي بين الناس فلما ورد إخوته عرفهم يوسف ولم يعرفوه هم لبعد العهد وتغير سنه ولم يقع لهم بسبب ملكه ولسانه القبطي ظن عليه وروي في بعض القصص أنه لما عرفهم أراد أن يخبروه بجميع أمرهم فباحثهم بأن قال لهم بترجمان أظنكم جواسيس فاحتاجوا حينئذ إلى التعريف بأنفسهم فقالوا نحن أبناء رجل صديق وكنا اثني عشر ذهب واحد منا في البرية وبقي أصغرنا عند أبينا وجئنا نحن للميرة وسقنا بعير الباقي منا وكانوا عشرة ولهم أحد عشرا بعيرا فقال لهم يوسف ولم تخلف أخوكم قالوا لمحبة أبينا فيه قال فأتوني بهذا الأخ حتى أعلم حقيقة قولكم وأرى لم أحبه